الذهبي
416
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف )
منهم ، والرأي أن أخرج عنكم بنفسي إلى غير هذه البلاد لِتَسْلموا أنتم ، فقام بين يديه ابن توفيان ، من مشايخ هَرْغَة ، وقال له : تخاف شيئًا من السماء ؟ قال : لا ، بل من السماء تنصرون ، فقال ابن توفيان : فدع كل من في الأرض يأتينا ، ووافقه جميع قبيلته على ذَلِكَ القول ، فقال : إنما أردت أن أختبر صبرَكم وثَبَاتَكم ، وأمّا الآن فأبشروا بالنَّصْر ، وأنكم تغلبون هؤلاء الشِّرْذمة ، وبعد قليل تستأصِلون دولتهم ، وترثون أرضهم ، فالتقوا جيش الملثمين فهزموهم ، وأخذوا الغنيمة ، ووثقت نفوسُهم بالمهديّ ، وأقبلت إليه أفواج القبائل من النواحي ووحدت قبيلة هنتاتة ، وهي من أقوى القبائل ، إلى أن قال : ثمّ نَهَجَ لهم طريقَ التَّودُّد والآداب ، فلا يخاطبون الواحد منهم إلّا بضمير الجْمع في وقارٍ وبشاشة ، ولا يلبسون إلّا الثّياب القصيرة الرخيصة ، ولا يخلون يومًا من طراد ومثاقفة ونضال ، وكان في كل قبيلةٍ قومٌ أشرارٌ مفسدون ، فنظر ابن تُومَرْت في ذلك ، فطلب مشايخ القبائل ووعظهم ، وقال : لَا يصحّ دِينكم إلّا بالنَّهي عن المُنْكَر ، فابحثوا عن كلّ مفسد وانهوه ، فإنْ لم ينْتَه فاكتبوا أسماءهم ، وارفعوها إليَّ ، ففعلوا ذلك ثمّ أمرهم بذلك ثانيًا وثالثًا . ثمّ جمع الأوراق ، فأخذ ما تكرّر من الأسماء ، فأفردها عنده ، ثمّ جمع القبائل كلّها وحضّهم على أن لَا يغيب منهم أحد ، ودفع الأسماء الّتي أفردها إلى عبد الله الوَنْشَرِيسيّ ، الملقَّب بالبشير ، ثمّ جعل يعرضهم رجلًا رجلًا ، فمن وجد اسمه أفرده في جهة الشّمال ، ومن لم يجده جعله في جهة اليمين ، إلى أن عرض القبائل جميعها ، ثمّ أمر بتكتيف جهة الشّمال ، وقال لقبائلهم : هؤلاء أشقياء من أهل النار قد وَجَب قتلُهم ، ثمّ أمر كلّ قبيلة أنّ تقتل أشقياءها ، فقُتِلوا كلّهم ، وكانت واقعة عجيبة ، وقال : بهذا الفِعل يصحّ لكم دِينكم ويقوى أمركم ، وعلى ذلك استمرّت الحالة في جميع بلادهم ، ويسمّونه : التّمييز . وكان له أصحاب عشرة يُسمَّون أهل عشرة ، وأصحاب من رؤوس القبائل سمّاهم أهل خمسين ، كانوا ملازمين مجلسَه . فأما العشرة : فعبد المؤمن ، والشَيخ أبو إبراهيم الهَزْرَجيّ ، والشَيخ أبو حفص عمر بن يحيى الهنتاتي المعروف بعمرآينتي ، والشَيخ أبو محمد عبد الله